سيف الدين الآمدي
219
أبكار الأفكار في أصول الدين
الأول : قوله - تعالى - : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ * قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ « 1 » . وذلك يدل على أن الجنّ من غير جنس الملائكة . الثاني : هو أن إبليس له ذرّية على ما قال - تعالى - : أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي « 2 » . والملائكة لا ذريّة لهم ، لأن الذّريّة لا تكون إلا من ذكر ، وأنثى . والملائكة لا إناث فيهم بدليل قوله - تعالى - : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ / إِناثاً « 3 » بطريق الإنكار ، والتهديد لقائله ؛ لقوله - تعالى - : سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ . الثالث : أن إبليس مخلوق من النار ؛ لقوله - تعالى - حكاية عن قول إبليس : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ « 4 » ، والملائكة مخلوقون من النور . وعلى هذا فلا يمتنع استثناؤه من الملائكة وإن لم يكن من جنسهم كما في قوله - تعالى - : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً « 5 » ، وقوله تعالى « لا إله إلا الله » استثناء من غير الجنس الّذي نفاه . وأما عصيانه بمخالفة الأمر ؛ فليس لدخوله في أمر الملائكة ؛ بل لأنه كان قد أمر بالسجود على الانفراد ، بدليل قوله - تعالى - : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ « 6 » ؛ وذلك يدل على تخصيصه بالأمر . وأما الآية الأخرى ؛ فلا نسلم دلالتها على عصيان الملائكة . [ الرد عليهم بالتفصيل ] وقولهم في الوجه الأول من الحجة الثانية : أنهم ذكروا ذلك على طريق الاعتراض على الله - تعالى - والإنكار عليه في قوله - تعالى - غير مسلم ؛ بل إنما سألوا ؛ ليعلموا ذلك كما قال الأخفش « 7 » ، وثعلب « 8 » وقال آخرون من أهل التفسير . لم يذكروا
--> ( 1 ) سورة سبأ 34 / 40 ، 41 . ( 2 ) سورة الكهف 18 / 50 . ( 3 ) سورة الزخرف 43 / 19 . ( 4 ) سورة الأعراف 7 / 12 . ( 5 ) سورة الواقعة 56 / 25 ، 26 . ( 6 ) سورة الأعراف 7 / 12 . ( 7 ) الأخفش : سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء ، البلخي ، المعروف بالأخفش الأوسط ( أبو الحسن ) أخذ عن سيبويه والخليل بن أحمد من تصانيفه : معاني القرآن ، والمقاييس في النحو توفى سنة 215 ه . [ وفيات الأعيان لابن خلكان 1 / 261 ، ومعجم المؤلفين لكحالة 4 / 231 ] . ( 8 ) ثعلب : أحمد بن يحيى الشيباني مولاهم الكوفي ، المعروف بثعلب ( أبو العباس ) نحوى ، لغوى ولد سنة 200 ه بالكوفة ، وتوفى ببغداد سنة 291 ه من كتبه : اختلاف النحويين ومعاني القرآن . [ وفيات الأعيان لابن خلكان 1 / 36 ، 37 ، وطبقات القراء لابن الجزري 1 / 148 ، 149 ] .